الأربعاء، 7 مايو 2008

محطات من أنفال به هدينان - المحطة السادسة


محطات من أنفال به هدينان

ناظم ختاري
(المحطة السادسة )
في عصر يوم 25-8- 1988 وقبل أن يحل الظلام تهيأت مجموعتنا مرة أخرى وشدت الرحال للخوض في رحلة مجهولة ووسط مخاطر مجهولة أيضا وكنا في الواقع نتوقع أن تكون هذه المخاطر كبيرة ومتأكدين من إنها جدية ولكننا لم نكن نعرف عنها شيئا سوى أن أعدادا كبيرة من قوات النظام أصبحت تحاصرنا وهي مدججة بأسلحة كيماوية لا يمكن للمقاتلين مقاومتها مهما كانت عزيمتهم ومهما كان اندفاعهم وإخلاصهم لقضيتهم . فالمرء عندما يحمل السلاح بدافع من الضمير والقناعة ودفاعا عن قضية حق يؤمن بها إيمانا مطلقا يمكنه أن يحقق مآثر و بطولات في أشرس المعارك مع العدو ، ولكنه قد لا يستطيع تحقيق ذلك عندما يستخدم عدوه أسلحة كالأسلحة الكيماوية والتي أستخدمها نظام صدام حسين في العديد من المعارك مع قوات الأنصار والبيشمه ركه وضد الشعب الكوردي في مناطق عديدة من كوردستان . ورغم ان مناضلي الحرية من الأنصار والبيشمه ركه و قوات المقاومة الشعبية كانوا يدركون أن مقاومة مثل هذه الأسلحة مستحيلة فإنهم امتنعوا عن الاستسلام لها وكانوا يشعرون أنهم بحاجة إلى أسلوب آخر من النضال للتصدي لهذه الهمجية وفي الواقع أصبح واضحا أن هذه المهمة لا يمكن لها أن تتحقق دون أن تنتقل قضية الشعب العراقي بشكل عام والشعب الكوردي بشكل خاص و بجهودهم وعلى أكتافهم وبدمائهم وتضحياتهم وتضحيات الجماهير الكوردستانية إلى العالم الخارجي لكي تجد لنضالهما العادل سندا ودعما دوليان يساهم في ذلك كل المجتمع الدولي و القوى المحبة للسلام والإنسانية والحريصين على العراق وأصدقاء شعبه كوردا وعربا. ولكن يبدو أن المجتمع الدولي هذا كان ظالما لم يتحرك ساكنا وصادقا إزاء قضيتنا ولم يتألم أو يؤنبه ضميره عندما كان يراقب معاناتنا وفجائعنا إلا عندما تعرضت مصالحه إلى التهديد والخطر.
نعم كان من الحكمة أن يتم الإعداد لهذا الأمر عبر دراسة علمية ووضع خطط عملية للبحث عن مساندة دولية لهذه القضية العادلة التي كانت تفتقر إليها وخوض نضال لا هوادة فيه من أجل فضح نهج النظام الدكتاتوري وطبيعته العدوانية لغرض فرض عزلة دولية عليه ، لأنه أصبح واضحا إن إمكانية إسقاط هذا النظام غير متوفرة لدى المعارضة العراقية لأسباب 1- آلته العسكرية الهائلة بما في ذلك الأسلحة الكيماوية ألتي أصبح يستخدمها دون أي رادع في شتى المعارك في كوردستان بل ضد السكان الأبرياء في ريفها وقصباتها وأكبر دليل على ذلك مدينة حلبجة الشهيد والعديد من المناطق الأخرى التي جاء ذكرها في محطات سابقة . 2- الدعم الدولي الذي كان يحصل عليه وبشكل خاص الدعم العربي فرغم استخدامه الأسلحة المحرمة دوليا فإن أية إدانة دولية لم تصدر بحقه لكي تردعه عن ارتكاب جرائم أخرى ، بل كان يحصل على المزيد من أسلحة القتل الجماعي من دول ذات شأن وتأثير دوليان ... وإلى جانب هذا كان من الضروري عدم الإفراط بقوات الأنصار والبيشمه ركه وإبقاءها على الأرض كقوة فاعلة لمواصلة دكها مواقع السلطة حينما تتوفر الفرص لذلك وإيجاد أشكال أخرى لحربها تتلائم وحجم الآلة العسكرية للنظام وإمكانياته الهائلة في الجوانب المختلفة بعد تفويت الفرصة عليه في هذه الحملة الشرسة (حملة الأنفال ).
تحركنا وكما قلت عصرا آخذين بنظر الاعتبار ضرورة اختيار طريق لا تجبرنا المرور بداخل (سى ده را) بل المرور بجوارها وكان ذلك إجباريا ولم يكن بالإمكان تحقيق ذلك دون أن نسير في وديان غير مطروقة سابقا ومجهولة بالنسبة لنا ولكن كونها مناطق قريبة من المقر كنا نعرف كيف نخرج منها وهكذا واصلنا المسير إلى أن أشرفنا على (سى ده را) بعد أن حل الظلام ومن الجهة التي كنا نرغب أن نصلها أي من جهة ( كاني بوتكى )* التي تقع بين سى ده را وقمة الجبل المشرفة على به رى كارة وبالذات على قرية بهى . كان علينا أن نكون حذرين جدا ونحن نسير في سفح الجبل الذي يشرف على المقر لأنه بدأ وكأنه مليء بالقوات المتقدمة بسبب الأصوات التي كانت تصل إلى أسماعنا ولكن دون أن نستطيع تمييزها علاوة على النيران المنتشرة في أماكن عديدة من المقر وكنا نخشى كثيرا ما تصدره حوافر البغل الذي كان معنا من أصوات وهو يحمل عنا الكثير من ما لا نستطيع حمله وخصوصا أن المسافة بيننا وبين المقر لم تكن بعيدة كان يمكن أن ينكشف أمرنا بسهولة لو اصطدمت حوافر البغل أو قدم أي واحد منا بحجارة صغيرة وتدحرجت إلى الأسفل . فبحبس الأنفاس وبذل جهد كبير مع البغل أصبح مقر (سى ده را) خلفنا محاولين وعلى عجل الوصول إلى الطريق المطروقة والمعروفة بالنسبة إلينا .
تنفسنا الصعداء وسرعان ما أصبح كل شئ يسير بشكل طبيعي ونحن نواصل السير بأتجاه (زوم)* (سه فرا)* الخربة وهناك توقفنا قليلا للراحة وثم واصلنا المسير وبعد فترة قصيرة من تقدمنا لم تستغرق أكثر من 15 دقيقة سمعنا أصواتا تتقدم نحونا فأخذنا استعداداتنا تحسبا لأي طارئ ولكن سرعان ما تبين أن القادمين نحونا هم من المدنيين ومن أهالي قرية (كانيا باسكا ) المذكورة ضمن المحطات السابقة عدة مرات وكان يتقدمهم الشاب هاشم وهو أبن مام نجمان الذي يسكن القرية مع أخويه مام اوصمان وميرزا ، كنت على علاقة طيبة بعائلة هاشم التي استمرت إلى أيام دهوك بعد الانتفاضة ، تحدث هاشم لنا كيف أنه مع بقية عائلته وضمن أعداد كبيرة من الناس وصلوا إلى وادي قرية كافيا التي كان يسكنها أبناء عشيرة الزيبار وتراجعوا بعد ذلك عندما وصلت أخبارا تشير إلى أن الطريق الوحيدة المتبقية أمام هذه الأعداد الكبيرة سيطرت عليها قوات الجيش في قرية كافيا وتحدث عن معارك طاحنة خاضها بيشمه ركه قاطع أربيل للحزب الشيوعي قبل هذا الوقت على معبر روي شين أنقذوا خلالها أعداد كبيرة من العوائل وكبدوا العدو خسائر فادحة.
كان قلق هاشم كبيرا وهو الرجل الوحيد من بين أفراد عائلته يقود عددا من النساء وسط وضع صعب لم يفهمه وهو يريد العودة باتجاه قريته على أمل أن يلتقي هناك مع بقية أفراد عائلته وعوائل أعمامه ، ولكننا أوضحنا له خطورة الموقف وأن (سى ده را ) أصبحت الآن محتلة من قبل قوات الحكومة .
عرفنا منه أن هذه الأعداد الكبيرة من البشر أصبحت تتراجع بينها مفارز عديدة من قوات الحزب الديمقراطي الكوردستاني وقوات محلية نينوى لحزبنا الشيوعي العراقي وعوائل أنصارنا وذلك نحو جبل كارة للاحتماء به لأن القوات المتقدمة للعدو أصبحت تحاصر هذا الجبل بشكل تام وهذا ما كنا نلاحظه أولاحظناه بأم أعيينا على الأقل على مستوى جهة (سوارة توكه) عن طريق (سوارى وسبيندارى) وجهة أتروش وثم باكرمان ودينارته وها أن أهالي القرى الذين يعدون بالآلاف وقواتنا تتراجع أمام تقدم قوات النظام وإغلاقها لكل المنافذ من جهة بارزان وديرالوك وأخيرا كافيا وعرفنا كيف أن عوائل أنصارنا لم تستطع العبور عبر منفذ آشه وا بالقرب من سرسنك.
أصبحت الإطلاقات التنويرية تنطلق من كل جهة وصوب وأصوات الإنفجارات لا تتوقف ونحن لازلنا نسير على الطريق المؤدية إلى كه لي كافيا عبر قريتي (ئه ركنى وسيانى )* ونحسب في أي نقطة سنلتقي بجموع الناس وقواتنا . إلى أن وصلنا إلى (سيانى ) فجرا حين بدأت مجاميع المتراجعين تظهر لنا وهي تتوجه صعودا نحو كارة وبدأت قوات النظام المرابطة على قمم جبل في الجهة المقابلة واضحة لنا بالعين المجردة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- ( كاني بوتكى )*عين ماء تقع في منطقة عالية من جبل كارة من جهة سى ده را أي بينها وبين قرية بهى وفي ما يشبه على شكل حوض مقوس وعلى جانب منه في الجهة الجنوبية وكانت المياه التي تتدفق منها لا تزيد عن ما تدفعها أية حنفية منزلية ولكنها كانت مياه عذبة تتميز بشدة بردوتها ، في الصيف كان الرعاة يقضون عدة شهور عليها مع قطعانهم وخلال فترة الحصار أصبحت هذه العين المصدر الوحيد ترتوي منها هذه الآلاف من البشر المحاصرين .
- (زوم)* مراعي صيفية في الجبال يتوفر مستلزمات تربية الماشية . يذهب إليها الرعاة مع قسم من عوائلهم ، ولذا تجد لكل منطقة مراعيها الخاصة .
- (سه فرا)* كانت في السابق قرية وتحولت فيما بعد إلى أحدى هذه المراعي ومن ثم سكنتها بعض عوائل البيشمه ركه التابعة للحزب الديمقراطي الكوردستاني .
- (ئه ركنى وسيانى )*قريتان تقعان في نهايات كارة من جهة الجنوب الشرقي التي ترتبط بمنطقة الزيبار وتعتبر من المناطق الجميلة جدا وتسكنها عوائل زيبارية .

الاثنين، 28 أبريل 2008

محطات من أنفال به هدينان - المحطة الخامسة


محطات من أنفال به هدينان

ناظم ختاري
(المحطة الخامسة )
وفي لحظات معينة وبعد دخولنا مقر مه رانى مباشرة شعرنا برهبة شديدة هرعنا اثر ذلك صعودا مسرعين مرتبكين نحو مواقع مضاداتنا الجوية ( الدوشكه) المتواجدة في قمة قريبة في مواجهة المقر وهي تسيطر بعلوها على كافة أرجاء المنطقة وتحمي المقر من غارات الطيران الغادرة وجدنا رفيقين لنا ينحدران نزولا من نفس تلك المواقع وهما ينتظران وصولنا بعد أن قررت قيادة المحلية الانسحاب في عصر يوم الرابع والعشرون من أب أي قبل وصولنا بليلة واحدة ، وخففا في الحال من مخاوفنا بعد أن قالا أن هذه الرائحة الكريهة والتي تملأ الوادي هي لبقايا عجل تعفنت كان يعود للنصير(عبد مام أحمد)* ذبحه استعدادا للانسحاب والتزود بلحمه والاستفادة منه في الطريق ، وليس لأي أسلحة كيماوية لأننا لم نتلقى أية ضربة بواسطة هذه الأسلحة لحد انسحاب رفاقنا عصر البارحة وإلى هذا اليوم ، وفي الحقيقة كان قد تولد لدينا شعور جماعي عند دخولنا المقر وسط هذه الروائح الكريهة التي شقت طريقها سريعا إلى أنوفنا ، بأن قوات النظام ربما نالت من كل رفاقنا وعوائل أنصارنا بواسطة أسلحة كيماوية ، والذين يبلغ عددهم أكثر من ثلاثمائة شخص مع العوائل ماعدا مجموعتنا التي دخلت المقر للتو ، وقالا لكن الطائرات العراقية استخدمت هذه الأسلحة وألقت بها قبل أيام قليلة بالقرب من آفوكى وعلى الطريق بينها وقرية سوارى وقتلت إمرأة من أهالي هذه الأخيرة وألحقت أضرارا بقطيع غنم كان هناك فأنفقت العديد منها علاوة على نفوق أعداد من الطيور البرية تساقطت على الأرض في المنطقة نفسها ، وقالا أن رفاقنا الأطباء ذهبوا إلى هنالك لمعاينة الوضع بعد ساعات من القصف وأكدوا أن كل ما يحصل هناك يدل وبشكل قاطع كون هذه القنابل التي سقطت في هذه المنطقة كانت عبارة عن مواد كيماوية وغازات سامة أدت إلى إحداث هذه الخسائر ، وقيل إضافة إلى ذلك ان رجلا من سكان قرية سوارى حاول استخدام بعض القطع من هذه الصواريخ المتفجرة لحاجة ما فأصيب بورم غير إعتيادي لونه أحمر في عيناه الاثنتان ، عولج وعلى حد قول أحد أنصارنا في مقر مه رانى . وذكر فيما بعد أن أسلحة كيماوية استخدمت في وادي كانيا باسكا والتي مررنا فيها (القرية) ليلا ، وفي الواقع مرا من هناك أيضا بعد القصف بعدة ساعات رفيقين لنا في نفس يوم انسحابنا ولكننا لم نلتقي بهما وكانا متوجهان إلى الداخل أحدهم إلى بغداد والآخر إلى أحدى أقضية محافظة نينوى وهما أكدا قصف الطائرات العراقية لهذه المنطقة بالأسلحة الكيماوية .
زالت مخاوفنا وشعرنا بارتياح إلى حد ما وتوجهنا نحو النهر الذي كان يتوسط المقر للاغتسال والشرب وعلى بعد عدة أمتار من منبعه ، لم يكن هناك ما يوازي مياه هذه العين من جهة صفاءها وبردوتها وكان الجميع يقول وبشهادة أهالي قرى المنطقة بأنها تساعد على صرف الطعام الذي يتناوله المرء في الحال فكنت تشعر وأنت تشرب قليلا منها بعد تناول الطعام بالجوع مرة أخرى مباشرة ويتحدث الناس على أن هذه العين بين كل عدة سنوات يصيبها الجفاف مرة واحدة وهذا ما أشعرنا بالقلق ولكن لحسن الحظ فأن كل السنوات التي قضيناها هناك على هذه العين كانت معطاءة وظلت المياه تتدفق منها دون توقف وأحيانا كثيرة كانت تتعدد الينابيع من على المصدر الرئيسي لها وخصوصا في السنوات التي كانت تكثر فيها الأمطار والثلوج .. جرى تبادل الأحاديث كثيرا تركزت على سرعة تطور الأحداث التي أدت إلى هذه النتيجة والتي مفادها الانسحاب دون معرفة نتائجه بسبب عدم احتساب الوقت المناسب له وذلك لأسباب عديدة منها وقبل كل شئ عدم التوصل إلى حقيقة ما كانت تريده قوات النظام من تقدمها بهذه الأعداد الكبيرة من قبل مجموع الأحزاب العاملة على الساحة الكوردستانية إذ لم يجر الاستعداد لاحتمال أن تكون هذه الحملة على هذا القدر من الشدة وعواقبها الكارثية على المنطقة وقدرتها على دفع الحركة المسلحة في كوردستان إلى خارج الحدود وتدمير الريف الكوردستاني بعد أن يلحق بسكانها أفدح الأضرار من قتل وتهجير ،هذا من جانب أما من الجانب الآخر كان هناك ضعف واضح في التنسيق بين الفصائل التابعة لهذه الأحزاب وكانت قوات كل حزب تتصرف دون الآخرين أو قوات الأحزاب الأخرى وهذا ما حدث عندنا على مستوى العلاقة بين المجاميع التابعة للحزبين الشيوعي والديمقراطي الكوردستاني حتى في ظل هذه الأوضاع الصعبة ، ففي الوقت الذي كان أنصارنا يتوجهون إلى القرى لشحذ همم السكان وتشجيعهم على المقاومة كنت تجد في الجانب الآخر عدم وضوح في الموقف إزاء هذه القضية وعدم وجود أية رغبة في التنسيق مع قواتنا وخصوصا في اليومين الأخيرين قبل الانسحاب بالرغم من اللقاءات التي سبقت هذا الانسحاب والتي أختلف وتناقض التعامل الحقيقي مع ما كانت تصدرها هذه اللقاءات من قرارات تدعو إلى المقاومة كما حصل في منطقة خواكورك على سبيل المثال حيث قاوم الأنصار والبيشمه ركه في معارك تلك المنطقة لما يقارب شهرا كاملا . ولم يجر تدارك هذا الأمر إلا عندما أصبحت المنطقة فارغة تماما من السكان والقوات أي بعد ما ظهر كل شئ جليا أما الأعين ، فالجيش بعديده وعدته يتقدم والقرار هو عدم المقاومة والانسحاب أو النزوح جماعيا صوب الحدود.
أن التنسيق الجيد والعمل معا بين أحزاب الجبهة الكوردستانية على مختلف المستويات والوحدات العسكرية التابعة لها في جميع مناطق تواجدها كان من شأنهما أن يؤديا إلى نتائج أخرى غير التي نتحدث عنها والتقليل من هذه الخسائر المهولة التي أصبحت ثمنا لوحشية النظام وتصميمه على إنهاء وجود الحركة المسلحة في كوردستان من خلال أتباع سياسة الجينوسايد هذا أولا و ضعف أو انعدام التنسيق المطلوب بين أحزاب الجبهة الكوردستانية وعدم القدرة على التوصل لنوايا السلطة وفهمها التي أعدت لمثل هذه الحملة على ما يبدو منذ فترة غير قصيرة وهذا ثانيا ، ناهيك عن عدم التأني في توقيت اتخاذ قرار النزوح الجماعي وخطأ التقدير بشأنه بالرغم من أهميته إزاء هذا الجنون التي تقدمت به قوات النظام .
وبعد وصول المجموعة الثانية من مفرزتنا إلى مه رانى كان ينبغي أن يتركز الحديث حول الوجهة التالية وكيفية اللحاق برفاقنا المتوجهين صوب الحدود عن طريق قرية كافيا التي كان يوجد فيها المقر القيادي للجنة أقليم كوردستان للحزب الشيوعي ، ثم باتجاه منطقة بارزان وهي الطريق الوحيدة التي من المفترض أن تكون مفتوحة أمام انسحاب الآلاف من أبناء هذه المناطق والأنصار والبيشمه ركه ، بينما كان أحد هذين الرفيقين يحمل رسالة من اللجنة القيادية إلى الرفيق الذي ألتحق بنا من تنظيمات قضاء الشيخان في بير موس في الساعة الأخيرة من وقت انسحابنا تؤكد على ضرورة عودته إلى نفس منطقة عمله مرة أخرى ومتابعة الأوضاع برفقة حامل الرسالة ، في الواقع كان الأمر في غاية الصعوبة بسبب إغلاق كافة المنافذ التي تؤدي إلى هناك بقوات الجيش والجحوش المتقدمة ، وكيف سيتصرفان في هذه المنطقة في حال الوصول إليها بسلام وبمعزل عن تواجد قوات الحزب أو حتى قيادته التنظيمية وفي الوقت الذي أصبح فيه عملية إيواء أنصار أو كوادر تنظيمية من قبل الشيوعيين وعوائلهم في هذه المناطق عبئا ثقيلا ومخيفا جدا ..؟ ورغم كل هذا لم يتردد الرفيقان في قبول المهمة واستعدا لاختراق هذه القوات والوصول إلى الده شت ومعايشة هذه الخطورة الأنفة الذكر ومصاعبها كما كان الأمر بالنسبة إلى مجاميع أخرى كانت تعيش هناك وتعاني الملاحقة المستمرة ومنقطعة الصلات بالحزب ، بعضها قاومت بكل جرأة ولها ألف حكاية وحكاية أرجو أن يستطيع أبطالها روايتها في ظل ظروف أفضل ، و كانت هناك مجاميع أخرى لم تفلح في مقاومة شراسة الأجهزة الهمجية القمعية للنظام .
كان علينا أن نستعد لسفر لم يستطع أحدنا التكهن بنتائجه أو في الواقع لم تكن هناك معلومات حول الأعداد الكبيرة التي توجهت إلى تلك المنطقة لغرض العبور ، وهل استطاعت العبور أم لا..؟ . وبسبب عدم معرفتنا التامة بمدى تقدم قوات الجيش والجحوش و إلى أي المناطق القريبة من مقراتنا وصلت ..! ، عموما تأكد لنا بشكل قاطع أن هذه القوات أصبحت على مقربة من مقراتنا وهي تطوقنا من جميع الجهات وكنا نتأكد من ذلك بسبب تزايد اقتراب أصوات الإنفجارات من كل جهة ولذا تقرر أن يبدأ تحركنا مساءا عبر مقر (سى ده را) للحزب الديمقراطي الكوردستاني – لجنة الشيخان وهي الطريق الوحيدة التي يجب علينا اتخاذها ، ولكن ليس عبر قرية (أطوش)*، وعادة ما يكون الظلام في مثل هذه الحالات أفضل صديق للبيشمه ركه ولذلك كان علينا أن نجتاز (سى ده را ) أثناء الظلام ...
واستعدادا لهذه الجولة من الانسحاب تقرر الإبقاء على عدد من الأنصار لإعداد كمية من الخبز وخصوصا أن مخازن المقر كانت مليئة بكل أنواع الأرزاق لأن موسم تساقط الأمطار والثلوج أصبح قريبا و كان لابد من تجهيز المقر بهذه الأرزاق لشتاء كامل كالمعتاد . وهكذا ذهب بقية الأنصار إلى وادي آخر يقع في منطقة قريبة من الجهة الشمالية للمقر لأن البقاء في المقر بهذا العدد لم يعد أمينا ، وذلك انتظارا لانقضاء هذا اليوم ولحين حلول الظلام . وهناك قمنا مرة أخرى بإخفاء بعض الأسلحة الزائدة عن الحاجة وثم كان لابد لنا ننام بعض الوقت كي نتمكن من مواصلة المسير ليلا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- (عبد مام أحمد)* من أكبر أبناء مام أحمد سوارى كان له ضمن مفارز أنصارنا ثلاث أشقاء آخرين بينهم جمال وهو على قيد الحياة و استشهد منهم اثنان ( جاسم على يد الغادرين بين سوارى و آفوكى ) و(هلال في عملية غادرة قامت بها الطائرات السمتية على أحدى مفارزنا بالقرب من بير موس اثر معلومات إستخبارية حصلت عليها السلطة من أحد عملاءها في المنطقة راح ضحيتها 9 شهداء من الأنصار أبطال وعدد كبير من الجرحى ) .
- (أطوش)* من القرى التي قدمت الكثير للحركة كانت تتكون من عدة بيوت نصفها مسيحيون والنصف الآخر مسلمون كانوا يعيشون بوئام وسلام وحلت عليهم العديد من عوائل أنصارنا من الأيزيدية وجميعهم عاشوا في ظل علاقات طيبة جدا وتولدت بينهم علاقات ( الكرافة ) التي زادت من أواصر الصداقة بينهم أكثر ، حتى لقب بعض أنصارنا بفلان الآطوشي . وتقع هذه القرية على الطريق بين مه رانى و سى ده را .


يتبع

محطات من أنفال به هدينان - المحطة الرابعة


محطات من أنفال به هدينان

ناظم ختاري
(المحطة الرابعة )
تحركت مجموعتنا في موعدها المحدد ، ووجدت جميع القرى التي في طريقها خالية من السكان ، فلا أتذكر إننا التقينا بشرا في كل هذا المشوار إلا عندما وصلنا إلى مه رانى ، وكان ذلك في الواقع أمرا غريبا رغم معرفتنا به قبل هذا الوقت ولكننا كنا نتصور أن نجد ناسا في القرى الخلفية وهذا لم يحصل أبدا ، فكما كانت (جه مانكى وباله ته وبازيركى ودزى)* والقرى القريبة منها (قرى منطقة عملنا ) خالية من السكان كانت القرى الأخرى أيضا خالية والتي تقع على طريقنا وحواليها باتجاه المقر مثل (بينارينكى وكاني باسكا وكابنيركى وخوربينيا وباك باكى وسوارى وسبيندارى وميزى وبانيا ته علا وجه مانى ) *و(القرى البديلة)* عنها التي جرى بناؤها للتمويه وتجنب الهجمات الكيماوية أو القصف العادي الذي أصبح أمرا شبه يومي ، وكان عادة يجري بناء هذه القرى بطريقة يصبح الجزء الغالب من حيطانها مطمورا في عمق الأرض لمقاومة شدة انفجار القذائف وشظاياها وكان يجري اختيار بناء هذه القرى في مناطق حسب اعتقاد الأهالي بأنها غير معروفة للسلطة وهي تقع في وديان تتميز بصعوبة الوصول إليها من قبل مشاة الجيش العراقي بسبب وعورتها وعلى اعتبارها أهدافا غير قابلة للإصابة بقذائف المدفعية والهاونات .
وقبل حلول الظلام وصلنا إلى قرية بينارينكى البديلة والتي تبعد عن القرية الأصلية مسافة عدة كيلومترات قليلة لا تتجاوز 3 أو 4 منها ، فكان علينا أن نأخذ قسطا من الراحة والانتظار لتقريب المسافة بيننا وبين المجموعة التي تتبعنا وخصوصا أن الظلام سيحل قريبا و علينا أن نواصل المسير ونكون على معرفة ببعضنا الآخر نحن المجموعتان وأين وصلنا.. لمواجهة الاحتمالات الطارئة لأن وقوعها أصبح واردا بسبب بدء التقدم العملي في المناطق التي كنا ننسحب منها وعبر المنافذ الأخرى للوصول إلى قرى المنطقة وثم مقراتنا فكانت أصوات الإنفجارات المتتالية تشق السكون المخيم على هذه المنطقة في كل صوب واتجاه معلنة حربا شرسة عليها .
كانت هناك حاجة لأن نستغل هذا الوقت لإعداد طعام ما لنا وللمجموعة الثانية ، نتناوله نحن لحد ملأ بطوننا تحسبا لاحتمالات القادمة الجوع ونترك حصة المجموعة الثانية ونتركهم عندما يصلون حتى يشبعوا بطعام شهي والذي سنشتاق إليه كثيرا عندما تصبح كسرة خبز حسرة كبيرة للآلاف من الناس المحصورين من أهالي هذه القرى في قمم ووديان جبل كارة ، وهكذا صعد أحدنا إلى الشجرة التي كان عليها عددا من الديوك الرومية والتي تركها أهل القرية مع كل أشياءهم وحاجياتهم الأخرى واخترنا واحدا منهم بعد أن نزل سربهم طائرا مفزوعا.
وبسرعة شديدة أكتمل كل شئ بعد أن كانت جميع مستلزمات الطبخ متوفرة في كل بيت تذهب إليه وتجده مفتوحا وأصبح القدر الكبير والذي يحمل الكثير من اللحم والرز وأشياء أخرى على موقد تشتعل فيه النيران الملتهبة من حطب البلوط . وانتظارا لإنضاج وجبة الطعام هذه بحثنا عن طعام آخر نكسر بها جوعنا الشديد فتذكرت أن العائلة التي كنت أزورها في هذه القرية وفي ظل الظروف الطبيعية لا تبقى بدون عسل جبلي قط يجمعونه من خلايا النحل الجبلية المنتشرة في مناطق وعرة جدا ولما كانت كوردستان غنية بخضرة وديانها وجبالها فأن العسل الذي تنتجه هذه الخلايا عادة ما يكون من أفخر أنواعه ... فقلت لأحد الرفاق لابد أن يكون هناك في هذا البيت عسلا . فقال وكيف تعرف ذلك .؟ شرحت له علاقتي الطيبة بهذه العائلة وغيرها من العوائل التي لم تعز أي شئ إلا وقدمت للأنصار والبيشمه ركه طيلة السنوات التي كنا نعمل فيها ضمن منطقتهم وقبلنا الآخرون منذ سنوات طويلة ، ليس هذا فقط بل يرفدون الحركة بدماء أبناءهم ، فأية عائلة ليس لديها شهيدا أو مقاتلا في صفوف البيشمه ركه في كل هذه المنطقة ، فكيف تريدني أن أنسى ما كانت تقدمه لي والدتهم ..؟ وتقول لي كل يا بني فأن طريقا طويلة أمامكم !.. فلازمنا صمت مطبق شابه الكثير من الحزن ونحن نتذكر هذه العوائل الفلاحية الطيبة التي كانت بمثابة أهالي حقيقية لنا نحن البيشمه ركه .. ولما انشغلت بتوزيع النار في الموقد وتحت القدر لكي ينضج الطعام الذي يحتويه بشكل متساوي أبلغني الرفيق بأنه لم يجد العسل الذي تحدثت عنه فأسرعت إلى حيث مكان المؤن المتروكة لهذه العائلة وفتحت أول علبة نيدو للحليب سعة 5 لترات التي عادة ما كانت تستخدم هذه العلب لحفظ بعض المواد الغذائية فيها في مختلف مناطق كوردستان بسبب مقاومتها للرطوبة وعملية إحكامها بشكل جيد ، وجدتها مليئة بالعسل تناولنا منها شيئا وملأنا منها علبة (كيكوز)* صغيرة لأخذها معنا لأننا سنحتاجها في مقاومة الجوع المنتظر وتركنا ما تبقى في مكانها الأصلي .
بعد أن وصلت المجموعة الثانية واستلمت حصتها من وجبة الطعام بدأ أفراد مجموعتنا بمواصلة المسير نحو (كه لي مه رانى ) وهي المحطة التي ستحدد وجهتنا ما بعد الوصول واللقاء ببقية الرفاق وما ستؤول إليه الأحداث .
اتفقنا مرة أخرى على أن لا نتوقف إلا في المقر عدا في الحالات الطارئة التي ربما تواجهنا ، فاستمر المسير إلى الصباح وسط قلق بالغ في الساعات الأخيرة منه بسبب تزايد أصوات الإنفجارات واقترابها أواستهدافها رفاقنا في المجموعة الثانية ولكنها لما كانت تطلق من مدافع قصيرة المدى والظلام لم يكن قد انقشع تماما فإنها لم تصب أهدافها وهكذا تبين أن طليعة قوات العدو بدأت تصل إلى مسافات قريبة من مقراتنا في( كه لي مه رانى ) حيث مقر لجنة محلية نينوى لحزبنا الشيوعي ومقر (سى ده را ) العائد للجنة الشيخان للحزب الديمقراطي الكوردستاني عبر منافذ (سوارى وسبيندارى ) وهما قريتان تابعتان إداريا لناحية سرسنك وتقعان إلى الغرب من مقراتنا و(كانيكا ) وهي قرية تابعة إلى ناحية أتروش وتقع إلى الجهة الجنوبية من مقراتنا .
وكان تقدم هذه القوات يتواصل عبر منافذ أخرى لتصفية القرى التابعة إلى ناحية زاويتة و سواره توكه وبعض القرى الأخرى التابعة إلى ناحية أتروش من جهتها الغربية إضافة إلى التقدم الواسع لقوات الجحوش في منطقة نهلة عبر باكرمان ودينارته في الجهة الشمالية من قضاء عقرة والتي تقع في جبالها ووديانها العديد من القرى التي تتصل في نهايتها بمناطق تواجدنا .
أما من الجهة الشمالية فإن قوات النظام كانت تتقدم جنوبا نحونا منطلقة من سرسنك ومعسكرات بامرنى والعمادية وديرالوك ، كل هذه القوات التي كانت تتقدم كانت تستهدف إضافة إلى القرى التي أشرنا إليها منطقة ( به رى كاره (*وقراها مع مقراتنا التي كانت تقع ضمن هذا الجبل من جهته الجنوبية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- (جه مانكى وباله ته وبازيركى ودزى)*هذه القرى كانت تقع على الطريق التي توصلنا إلى منطقة به روارى زيرى وكانت قريبة إلى مقرنا في بير موس.
- (بينارينكى وكاني باسكا وكابنيركى وخوربينيا وباك باكى وسوارى وسبيندارى وميزى وبانيا ته علا وجه مانى ) *مجموعة قرى تعود إلى منطقة به روارى زيرى وأيضا تقع على الطريق إلى مه رانى .
- (القرى البديلة )*عاشت الغالبية العظمى من سكان قرى مناطق به هدينان في مثل هذه القرى ، ولكنها كانت أصغر من القرى الأصلية وأقل كثافة سكانية لأن كل مجموعة عوائل كانت تبني لها مساكن في واد ما بالقرب من مزارع الفاكهة التابعة لهم ( ربما يقول محامو الدفاع عن الطاغية إذن كانوا في أصطياف ) على ( وزن إذن كانت رائحة الثوم التي كانت تشتريه من السوق وتستخدمه في البيت ) ، في الواقع لم يكن الأمر كذلك فكانت هذه القرى تعاني من نقص شديد في مستلزمات الحياة الضرورية ، وأقيمت لتجنب عمليات القصف المستمرة ويمكننا القول بأنها كانت متحركة ، فعند تعرض أحداها للقصف ينتقل أهلها إلى واد آخر لبناء قرية أخرى وكانت تحمي هذه البيوتات صخور كبيرة يجري السكن تحتها ، فعلى الإنسان أن يتصور كم كان حجم معانات الناس في ريف كوردستان أثناء حملة الأنفال القذرة هذه ...!!؟
- ( به رى كاره (* حوض جبل كارة ، وكم عظيما كان هذا الجبل وأهله ، استطاع في أحلك الظروف حماية الأنصار والبيشمه ركه ، وقدم سكان قرى هذا الحوض للثوار ما عجز عنه الآخرون عندما كان نظام صدام في أوج قوته ، كانت ضمن هذا الحوض القرى التالية ( ئيكماله – زيوكا شيخا – شيرانه – ردينيا - بهى - كووزى- به لووتى- زيوه – كارة – به ر كارة ) إضافة إلى قرى كانت تقع في وديان تشق هذا الحوض . وتشتهر هذه القرى بطيبة أهلها وكرمهم ومساندتهم للثوار . ولا ننسى أنها تنتج أفضل أنواع التبوغ وخصوصا قرية به لووتى .

يتبع

محطات من أنفال به هدينان - المحطة الثالثة


محطات من أنفال به هدينان

ناظم ختاري
(المحطة الثالثة )
إذن قوام لجنة غير مكتمل من الأنصار البيشمه ركه تشكلت منذ أيام معدودات يتواجدون في مقر (بير موس) والمنطقة كلها لوحدهم يراقبون أو ينتظرون تطورات الوضع وما ستؤول إليه الأحداث وينتظرون كذلك قرارا يصدر من اللجنة القيادية لمحلية نينوى يقرر مصيرهم أما البقاء لخوض معركة غير متكافئة مع قوات النظام التي يكفي قوامها لخوض معركة مع جيوش دولة أخرى بكامل عدتها وعددها وبهذا تكون أخطأت التقدير أو الانسحاب إلى الخطوط الخلفية وعندها يتقرر مصيرهم مع مصير بقية القوات المتواجدة في (مه رانى) وهذا ما كنا ننتظره في ظل وضع معقد وصعب جدا من الناحية العسكرية والسياسية أصبح كل شئ فيه لصالح النظام . إن لم تفاجأ هم هذه القوات المتقدمة في استغلال الفرصة وتوجيه ضربة كيماوية مميتة تبيدهم عن بكرة أبيهم قبل الانسحاب أو الدخول في أية معركة .
ورغم ذلك انشغل الرفاق في حياتهم الأنصارية اليومية ولكنه بحذر شديد وأضيفت إليها مهام أخرى ، و لم تغادرهم الشجاعة والعزم فيما لو قررت اللجنة القيادية الدخول في المعركة والتصدي كما في باقي المعارك لقوات النظام رغم الإدراك التام وكما قلت من أن هذه المعركة ستكون نهاية هذه المجموعة من الأنصار فيما لو دخلتها .. فكنت تجد من ينظف بندقيته أو من يحصن موقعه للقتال أو من يقرأ لعبد الرحمن منيف روايته مدن الملح أو غيرها من الروايات والأشعار لكتاب معروفين استزاد الأنصار منهم حبا لوطنهم وشجاعة للدفاع عن قضيتهم أمثال لوركا و همنغواي وطاهر الوطار وماركيز وتشيخوف والعشرات غيرهم من عمالقة الأدب العالمي ، وانشغل بعضنا أيضا في إخفاء بعض الأشياء التي كان ينبغي إخفاءها وآخرون في البحث وتقصي الأخبار ومعرفة ما كان يدور في هذه القرى القريبة من المقر وتيقنا بشكل قطعي إنها أصبحت فارغة تماما وتوجه سكانها صوب الحدود التركية أو الإيرانية وتيقنا إننا فعلا وحدنا هنا لا نجد بشرا غيرنا إلا نادرا عندما يمر شخصا عبر هذه القرى متخلفا عن أهله وهو يسرع اللحاق بهم وآخر يبحث عن وجهة أخرى تنقذه من مصير مجهول ، وعادة ما كانوا مرتبكين مذعورين ويؤكدون أن حملة إبادة فعلية بدأت في كوردستان وينقلون لنا أخبارا غير مترابطة حول قتال دار في كذا منطقة أو المنطقة الفلانية تعرضت لضربة بالأسلحة الكيماوية وما إلى ذلك .
و كانت تتخلل جميع أوقاتنا الكثير من النقاش وحول مختلف المواضيع فوجد بعض الأنصار عدم وجود أية حاجة لمثل هذا الاستعدادات وعلق أحدهم قائلا ونحن نخبئ هذه الحاجيات سنعود بعد فترة قصيرة فلماذا هذا الإخفاء المحكم لهذه الأشياء التي سنحتاجها بعد أن تتقهقر هذه القوات وتعود إلى مواقعها ثانية ؟ وآخرون تنبؤا وعبروا بوضوح عن قناعتهم بعدم وجود أية أمكانية للعودة إلى بير موس ثانية وممارسة الحرب البارتيزانية والعمل الحزبي في عمق الأراضي العراقية بما فيها بغداد التي كان يتحرك إليها رفاقنا من بير موس لإعادة بناء منظمات الحزب المدمرة أثناء الحملة التي قامت بها اجهزة القمع التابعة للنظام في سنة 1978. فتحققت نبوءة الطرف الثاني عندما قتل الفاشيست كل أنواع الحياة في ريف كوردستان مما حال دون القدرة على خوض مثل هذا الأسلوب النضالي إلا في مناطق محدودة وبصعوبة بالغة جدا ، و في نفس الوقت تحقق حلم الرفيق بالعودة إلى هذا المكان بعد أيام من مغادرته له ولكنه (حلمه) كان هذه المرة محفوفا بمخاطر جمة أقلها خطورة هو خوض معركة خاسرة ومواجهة خطر الموت ، و كانت هذه العودة في هذه المرة لأجل التسلل و اختراق مواقع العدو و تحصيناته وإيجاد منافذ للعبور إلى سوريا ، فلم يتسنى له أو لغيره من الأنصار البحث عن الأشياء التي جرى إخفاءها بل حتى المكوث في هذا المكان لأكثر من نصف ساعة من الوقت وذلك للتزود بالماء أو عدة ثمرات من الطماطم والباذنجان والشجر أو غيرها من مزرعتهم التي حرثوها بآلات يدوية بدائية وزرعوها لكي تساهم في أغناء وجباتهم الغذائية وهم يؤدون مهامهم الحزبية والعسكرية . وذلك لأن وحدات الجيش العراقي التي انتشرت بكثافة في عموم المنطقة كثيرا ما كانت تتردد إلى هذا المقر لغرض تفجير كل ما له علاقة بالبيشمه ركه. وتدمر حاجياتهم كالأرزاق و الأفرشة إضافة إلى الأسلحة و الأعتدة في حالة العثور عليها في مخابئها .
خلال هذه الأيام وفي ظل هذه الأوضاع المعقدة كان لنا رفاق آخرون يتواجدون في قرى وقصبات المنطقة كالشيخان وألقوش و(دوغات)* وبعشيقة وبحزانى وغيرها ، كان بعضهم مرتبطا بمواعيد العودة إلى المقر وكنا ننتظر عودتهم متمنين أن تكون مواعيد عودتهم متقدمة وأما الآخرون فلم تكن لديهم أية مواعيد للعودة وتوقعنا أن تدفع تطورات الأحداث بهم للمجيء والالتحاق بنا لأن بقاءهم في قرى وقصبات تخضع للمراقبة الشديدة من قبل أجهزة السلطة القمعية أمر محفوف بالمخاطر ويعرض الركائز الحزبية إلى الكشف وهذا يشكل كارثة كبيرة لأنه في مثل هذه الحالات لا تتوانى السلطة في استخدام أقسى وأبشع الوسائل ضدهم .
في صبيحة يوم الرابع والعشرين من آب أغسطس استلمنا برقية قصيرة من اللجنة المحلية تقول فيها ( تقرر انسحابكم فورا ) إذن كان هذا هو القرار الصحيح رغم تأخره بعض والشئ ولكنه أنقذنا من مصاعب و إرباكات جمة إن لم يكن سببا لخلاصنا من الموت المحقق ، وهكذا بدأنا نستعد للانسحاب رغم وجود رأي آخر هناك مفاده أن يتأجل الانسحاب إلى وقت مبكر من فجر اليوم التالي ولكن هذا الرأي لم يؤخذ به بسبب إدراك الغالبية أن الوقت أصبح متأخرا جدا وفي الوقت نفسه واجهتنا مشكلة أخرى في هذه المرة وهي موعد عودة أحد رفاقنا من ألقوش ففي حالة ترك المقر والانسحاب قبل وصوله سيصبح وضعه حرجا عندما لا يجدنا هناك . ومع هذا عملنا كل جهدنا من أجل أن نكون على أتم الاستعداد بعد الظهر من نفس اليوم لتنفيذ الانسحاب منتظرين على أمل أن يصل رفيقنا ومنشغلين ثانية بإخفاء ما لا نستطيع أخذه معنا بما فيه الأعتدة الزائدة وخصوصا كانت لدينا دابة واحدة نحمل على ظهرها كل ما نحتاجه .
هذه الصورة مأخوذة في قرية خورزان بعد أيام قليلة من تدميرها وتهجير سكانها
وكل شئ كان يسير بسرعة فمع استعدادنا للانسحاب أكمل الرفيق أبو فلاح استعداده للذهاب إلى الده شت والبقاء هناك وجرى الاتفاق بيننا على كلمة سر في حالة الاتصال به عند الحاجة وجرى تسمية الأماكن التي ينبغي أن يتواجد فيها وكذلك الأشخاص الوسطاء بيننا . وجرى الاتفاق أيضا على ضرورة الاتصال بالرفيق أبو ليلى الذي كان يتواجد في قرية (دوغات) كان برفقته الرفيق سامي وضرورة التنسيق معا في الحالات الطارئة وجرى تكليف الرفيق حميد لمرافقة أبو فلاح وعاش حميد بعدها قصة مثيرة استمرت لعدة أيام بعدما أضطر للتوجه إلى جبل (خورزان وكرسافا)* بعد أن تركه أبو فلاح مسلما نفسه للسلطة عبر وساطات من وجهاء المنطقة مقابل الحفاظ على حياته .
وضعنا خطة الانسحاب وأسرع عدد من الأنصار لإعداد وجبة غداء وكمية من الخبز تساعدنا في الطريق ، وتقرر ضمن الخطة أن ننقسم إلى مجموعتين تتحرك الأولى في تمام الساعة الثانية بعد الظهر وهي مجموعة صغيرة تتكون من 7 أو 8 أنصار كنت من بينهم وكان من مهام هذه المجموعة استطلاع الطريق والتأكد من سلامتها وكان على المجموعة الثانية و التي تتكون من مجموع الرفاق الباقيين وهم ملاك لجنة تلكيف الذين التحقوا بها قبل أن تكتمل بشكل نهائي ، أن تتحرك بعدها بعدة ساعات .
بينما كانت كل الاستعدادات تتم بشكل منتظم وصل رفيقنا القادم من ألقوش وبهذا فأن مشكلته لم تعد تواجهنا ، ودون أن يكون له موعدا وفي آخر ساعة وصل أحد رفاقنا العاملين في تنظيمات قضاء الشيخان إلى المقر منظما إلينا يحمل معه الكثير من الأنباء عن التحشدات العسكرية في الشيخان وأتروش .
- (دوغات)* قرية تابعة إداريا لناحية ألقوش - تلكيف سكانها أيزيديون ، انخرط العديد من أبناء القرية في صفوف الحزب الشيوعي منذ عقود طويلة ، والتحق العديد من أبناءها بصفوف الأنصار وقدمت العديد من الشهداء الأبطال وراحت العديد من عوائلها ضمن حملة الأنفال التي نتحدث عنها عبر هذه المحطات وسيجري الحديث عن كل ذلك بمزيد من التفاصيل . ومن الجدير بالذكر أن الغالبية العظمى من جماهير هذه القرية لازالت تلتف حول منظمة الحزب الشيوعي الكوردستاني العاملة هناك .
- (خورزان وكرسافا)* قريتان تابعتان أيضا لناحية ألقوش يفصلهما واد صغير ، في عام 1987 جرى ترحيل سكانها بشكل قسري إلى مجمعات شيخكة ونسيرية وسويت القريتان إلى جانب قرى طفطيان وكابارا وملاجه برا مع الأرض . وذلك بسبب تعاون سكان هذه القرى مع الحركة المسلحة في كوردستان من الأنصار والبيشمه ركه ومساهمتهم فيها بكل مباشر وقدمت هذه القرى بدورها العديد من الشهداء بينهم عدة عوائل ضمن حملة الأنفال كنت على معرفة مباشرة بهم مع وجود علاقات عائلية وثيقة بيننا ، وقبلها تعرضت هذه القرى في العديد من المرات إلى التدمير والغارات المتكررة لقوات النظام البائد .

محطات من أنفال به هدينان - المحطة الثانية


محطات من أنفال به هدينان

ناظم ختاري
(المحطة الثانية )
إذن كان علي أن أعود بسرعة والالتحاق برفاقي لأن الجميع تيقن وأنا كنت معهم في هذا اليقين من أن العمليات العسكرية الفعلية بدأت في مناطقنا وإنها تختلف هذه المرة عن سابقاتها التي كان يتقدم فيها الجيش والجحوش لغرض تحقيق أهداف محددة عبارة عن الاعتداء على بعض القرى أو المقرات أو ملاحقة مفارز البيشمه ركه ،أما هذه المرة فان الحرب التي أنهت عامها الثامن وضعت أوزارها وتوقفت بعد أن أشغلت العالم وأحرجت القوى السياسية العراقية عندما أرتبكت في رسم سياساتها وأهدافها ووضع شعاراتها إزاءها ، فعملت بعضها في مراحل معينة مباشرة مع القوات الإيرانية في عمق الأراضي العراقية وحددت الأخرى موقفا مناهضا للحرب كما كان الحال عندنا في الحزب الشيوعي الذي رفع شعار إنهاء الحرب وإسقاط الدكتاتورية ، وبالرغم من أن إنهاء الحرب أو استمرارها لا يتوقفان على شعار يرفعه الحزب ، كونها كانت أكبر من أن تكون حرب صدام ضد دولة جارة فأن الموقف منها كان ينبغي أن يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة النظام العدوانية والتي أوصلت الأوضاع في البلاد إلى ما هي عليها الآن وهي تتوغل في حرب طائفية غير معلومة النتائج ونيرانها أصبحت تتصاعد مشتعلة وهي تطحن بالعراقيين في طاحونتها و تحرق وتدمر ثروات البلاد بشكل جنوني ، فأن قاعدة الحزب وخصوصا الأنصار وأزعم إن منظمات الحزب في الداخل هي الأخرى ارتبكت ووجدت عدم دقة هذا الشعار كون وقوفها (الحرب) سيعطي للنظام الفرصة الكافية للقضاء على المعارضة بنفس تلك القوة القادمة من جبهات الحرب ، وفي نفس الوقت فأن استمرارها يعني استنزاف المزيد من الطاقات البشرية إلى جانب ثروات البلاد وبنيتها التحتية . ولذلك كانت تدور نقاشات حامية في الهيئات الحزبية المختلفة وفي الاجتماعات العامة ترفض فيها قاعدة الحزب وجماهيره الحجج التي كانت قيادة الحزب تتكأ عليها وتسوقها وهي ترفع هذا الشعار وتدافع عنه ، وهي أن فرص سقوط النظام ستزداد عندما تواجه هذه الأعداد الهائلة من الجنود المسرحين والقادمين من حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، إضافة إلى المأساة التي خلفتها هذه الحرب من تفاقم في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وعدم قدرة النظام على مواجهتها ومعالجتها، إلى جانب جملة من الأمور الأخرى من مخلفاتها ، كلها مجتمعة ستشكل عوامل ضغط لا يستطيع النظام مقاومتها وينهار بسبب أعباءها .
وكان هاجس القضاء على قوات الأنصار والبيشمه ركه يشغل بال الدكتاتورية بالرغم من انشغالها في هذه الحرب التي طحنت أرواح مئات الآلاف من الشبيبة العراقية ولذلك فأنها لم تكن تتوانى في استخدام كل ما لديها من إمكانيات ضد مناضلي الحرية في كوردستان ، ولأجل ذلك كانت تجند المزيد من وحدات الجحوش تحت اسم الأفواج الخفيفة أو أفواج الدفاع الوطني المتكونة عادة من العشائر الكوردية ( رؤساء الغالبية العظمى من العشائر الكوردية ساهموا أو شاركوا في هذه الوحدات وجندوا أفراد عشائرهم ضمن هذه التشكيلات ) علاوة على إشراك قوات الأمن العراقية ووحدات من أعضاء حزب البعث في ما يسمى بالجيش الشعبي في المعارك ضد هذه القوات.. وكان من المستحيل اقتلاع هذه القوات من أرض كوردستان ما لم تستطع السلطة الدكتاتورية القضاء على المصدر الأول والأهم لإدامتها ورفدها بالدماء الجديدة ولذلك قررت القضاء على جماهير المنطقة واقتلاعها من قراها ، وثمة حاجة إلى القول أن السلطة أدركت إنها لا تستطيع تحقيق هذا الهدف دون أن تستخدم سلاحا جديدا وفتاكا ألا وهو السلاح الكيماوي الذي لا يستطيع جسد الإنسان مقاومته حتى لو استطاعت إرادته ذلك ، لأن هذه الإرادة الفولاذية الحقة وقفت قبل ذلك عائقا أمام مخططات السلطة وأسلحتها التقليدية في القضاء على الحركة المسلحة في كوردستان .
هكذا عدت إلى مقر بير موس مرة أخرى وبرفقة رفيق آخر كان قادما من الداخل من أحدى أقضية نينوى أضطر هو الآخر للتوجه إلى المقرات لنقل تصوراته إلى قيادة اللجنة المحلية ، وإن لم أخطأ التقدير كان ذلك في 19- 8- 1988 وسرعان ما أبلغنا الرفاق بتصوراتنا عن تطورات الوضع والتحرك العسكري المكثف والغير اعتيادي بالنسبة إلى قوات النظام من الجيش والجحوش بكامل معداتها قادمة من حرب يائسة لم تحقق فيها شيئا غير جر وطننا إلى المزيد من الخراب وشعبنا إلى المزيد من الويلات ، طليعتها كانت في زاخو تنتشر وتتوجه صوب أهدافها ونهايتها تتمول بالمزيد من الوحدات عند الأطراف الشمالية من مدينة الموصل حسب شهود عيان تحدثوا لنا في تلك الفترة . بقيت مع أنصار لجنة تلكيف في بير موس فيما واصل الرفيق الآخر مشواره نحو (مه رانى ) و كان لابد لنا أن نبلغ قيادة اللجنة في (مه رانى) بتفاصيل ما يدور وما تقوم به السلطة من تحشيد لقواتها لتحقيق هذه الأهداف التي أشرنا إليها في سياق الحديث .
وكان من بين مقترحاتنا التي أرسلناها في برقيات لاسلكية متتالية ضرورة الإسراع بإنقاذ عوائل الأنصار المتواجدة هناك في المقر ومحيطه وإرسالها صوب الحدود ، وفي نفس اليوم تلقينا برقية جوابية تؤكد أن القيادة أصبحت تشكل مجاميع من هذه العوائل وترسلها عن طريق ( آشه وه)* باتجاه الحدود التركية ، ولكن تبين فيما بعد أن الوقت كان متأخرا وعادت هذه المجاميع ثانية إلى (مه رانى) عندما وجدت إن كل الطرق مغلقة بوجهها تماما بوحدات الجيش والجحوش العراقيين .
صرنا نتباحث في ما يحصل كثيرا ولم يخطر في بال بعضنا أن ننسحب إلى الوراء أبدا وفي الواقع كنت أنا من بين الذين يدركون بوضوح بأننا سنضطر إلى الانسحاب باتجاه الحدود مع تركيا أو إيران ولكننا لم نتوقع أن ننسحب على الأقل في الأيام الأولى دون أن نتصدى فيها للقوات المتقدمة أو إشغالها لكي لا نضطر إلى إنسحاب تحت ضغط الهلع والخوف وتوفير الفرص اللازمة لقواتنا الأخرى على الانسحاب بسلام وهم بدورهم يعملون على تغطية انسحابنا أيضا في المناطق الحدودية ..وهكذا كان أنصارنا التقوا لعدة مرات بمفارز الحزب الديمقراطي الكوردستاني المتواجدة في المنطقة و مفارز المقاومة الشعبية (به ركرى ملى )* ووضعوا خططا حسبما عرفت منهم ، مفادها كيفية مقاومة القوات المتقدمة وتشخيص مواقع المعارك المحتملة و المفارز التي تتصدى للقوة التي تتقدم من كل جهة ، والأمر كان إلى هنا يعد جيدا وهو أن تتوحد جميع المفارز للتصدي لهذا الهجوم الشرس ، ولكن الأمر الذي عكر صفوة كل هذه الخطط هو الاختفاء التدريجي لمفارز حدك والمقاومة الشعبية التي صرنا نسأل عنها و لا نجد إلا القليل من أفرادها يتوزعون بين هذه القرى لا يعرفون الكثير عن ما يدور غير القلق والحيرة حتى صرنا لا نجد أحدا قبل يومين من انسحابنا .

محطات من أنفال به هدينان - المحطة الأولى


محطات من أنفال به هدينان
(المحطة الأولى)
ناظم ختاري
بعد أن قررت قيادة حزبنا الشيوعي العراقي دمج التنظيم المحلي مع وحدات قوات الأنصار في منتصف عام 1988 قبل إيقاف الحرب العراقية – الإيرانية التي كان الحزب يدعو إلى إنهائها .. وبعدما كانت منظمات الحزب المدنية ( الكوادر العاملة في هذه المنظمات ) تعمل منفصلة عن الوحدات العسكرية كان بينها تنسيقا لم يكن يرتقي إلى مستوى المهام الملقاة على عاتق الجانبين ، تشكلت بعد ذلك مباشرة مفاصل عمل أخرى وهنا أنا أتحدث عن المنطقة التي كنا نعمل فيها وكانت مقراتنا تتركز في (كه لي مه رانى)* كان يعمل فيها الفوج الأول لأنصار الحزب والذي كان يعمل عسكريا في حدود المناطق المحيطة من جهة الشمال الشرقي بمدينة دهوك وثم مناطق (د ه شت الموصل)* وبالتحديد شيخان و تلكيف ومناطق أتروش وعقرة ولم تكن مفارزها تتلكأ في الوصول إلى أية منطقة أخرى عندما كانت الحاجة تتطلب ذلك .و من الجدير بالذكر أن مفارز هذا الفوج حققت العديد من الانتصارات في عملياتها العسكرية استطاعت من خلالها توجيه ضربات موجعة في مناطق مختلفة من التي جاء ذكرها أعلاه لقوات العدو وأجهزته القمعية وكانت تحظى هذه المفارز بتقدير جماهير المنطقة واحترامها ، وقدمت في هذا السبيل تضحيات غالية عندما فقدت في معاركها العديد من الأنصار الأعزاء والأبطال ، وفي الواقع كان هذا هو الثمن الذي يقبل به كل نصير بطل عمل في أية وحدة عسكرية تابعة للحركة الأنصارية للحزب الشيوعي العراقي .وكذلك كانت هناك لجنة محلية نينوى وهي هيئة حزبية كانت تقود العمل الحزبي التنظيمي والسري على مستوى المحافظة بالإضافة إلى مهام أخرى كانت تتكلف بها من قبل قيادة الحزب وطبقا لهذا القرار والذي كان يعتبر مطلبا ملحا للغالبية العظمى من الرفاق الأنصار تشكلت هيئة قيادية موحدة تقود العمل في الجانبين كان يعمل فيها رفاق يمتلكون خبرات تنظيمية وآخرين أصبحوا قادة عسكريين مجربين في معارك هامة مع قوات النظام . وسميت هذه الهيئة من جديد بلجنة محلية نينوى أنيطت مسؤوليتها الأولى( بأبو سالار) لبيد عباوي الذي كان عضوا في اللجنة المركزية للحزب وأنيطت مسؤوليتها العسكرية بالرفيق توفيق ( خيري درمان ) وتوزعت المسؤوليات الأخرى على رفاق آخرين كانوا ضمن هذه اللجنة ربما يقودنا الحديث لاحقا الإشارة إلى أسماءهم أو أدوارهم وخصوصا إننا عملنا معا فيما بعد واضعين الخطط حول كيفية التخلص من حصار قوات الجيش والجحوش مع العديد من الرفاق ، وقد أمتنع عن ذكر بعض الأسماء تحسبا لهذه الظروف الغير طبيعية في عموم العراق .والجدير بالذكر ارتبطت بهذه اللجنة لجان موحدة تقود العمل العسكري والتنظيمي على مستوى الأقضية لم يكتمل نصاب أية لجنة منها غير لجنة تلكيف التي أتمت ترتيباتها قبل الآخرين ، وعلى أثر هذه التغيرات التي أخذت وقتا ليس بقصير وجهدا كبيرا كلفت للعمل في لجنة تلكيف التي أصبحت تعمل انطلاقا من مقر (بير موس) وهو من المقرات القديمة يعود تاريخ العمل فيه إلى فترة الستينيات عندما كان رفاق الحزب يشاركون الشعب الكوردي انتفاضاته المسلحة فارتبط اسم هذه القرية ببطولات الشيوعيين ومآثرهم وكان ينطلق منها الشيوعيون نحو القرى والمدن لبناء خلايا حزبية فيها . وأستطاع الأنصار قبل عملية الدمج أعادة تأهيله لممارسة العمل البارتيزاني وها صرنا ننطلق منه لمواصلة بناء وتقوية منظمات الحزب في مناطق (الده شت) بعد عملية الدمج .وثمة حاجة إلى القول بأن هذه منظمات (الده شت) كانت بحق من المنظمات الحزبية النشيطة وخلال مسيرتها استطاعت تحقيق الكثير ولم تكن تدخر جهدا في المبادرة لتنفيذ مهامها إلى جانب تلك التي كانت تكلف بها من قبل الهيئات الأعلى وكانت خدماتها بالنسبة إلى الحزب عظيمة وتشكل عصبا مهما فيه .كلفت ضمن هذه اللجنة بقيادة العمل التنظيمي في حدود القضاء مع رفاق آخرين وكانت اللجنة بقيادة الرفيق أبو ظاهر وكان بين رفاق هذه اللجنة أيضا الرفيق أبو أمل الذي كلف بمسؤولية اللجنة في الجانب العسكري وكان ضمن هذه اللجنة رفاق آخرين مكلفين بمهام أخرى يتطلبها عملنا الأنصاري والتنظيمي . وهكذا بدأنا بترتيب أمورنا ووضع خططنا العملية للتحرك وفقها في المستقبل وربما كان هناك بعض الخلل يرافق عملنا لأن تجربة العمل المشترك كانت جديدة وفي بداياتها وكانت تحتاج إلى وقت أطول لإيجاد أفضل السبل للعمل والتناغم معها ، بالرغم من أن الغالبية من الرفاق والأنصار كانت تجيد الكثير في مجال العمل العسكري والتنظيمي ومناورة العدو ، ومن هنا أصبحت الأمور تسير و تترتب بشكل معين .ورغم أن وتيرة الضربات الموجعة والموجهة ضد مختلف مناطق كوردستان وقوات الأنصار والبيشمه ركه من قبل قوات الجيش العراقي التي بدأت تنسحب من جبهات الحرب مع إيران كانت تتصاعد بشكل جنوني بات فيها استخدام الأسلحة الكيماوية أمرا معروفا ، صار(صارت) كل واحد أو مجموعة منا يتوجه (تتوجه) إلى عمله (عملها ) بعد الاجتماع الأول للجنتنا وكان هذا في منتصف شهر آب أغسطس . حينما توجهت إلى حيث عملي في عمق ريف تلكيف وذلك لمتابعة العمل الحزبي وترتيبه في هذه القرى والذي كان يمتاز بدرجة عالية من الانضباط والمتانة والذي عصى على أجهزة أمن النظام لاختراقه . وبالنسبة لي لم أكن أحتاج إلى إجراءات تنظيمية أستلم بواسطتها التنظيم مجددا فرغم انقطاعي عن المنطقة لفترة معينة التقيت بسهولة برفاق المنظمة ( لجان مصغرة وخلايا وعلاقات فردية أو خيطية ) ، ولكن الأمر في كل اللقاءات التي أجريتها كان مختلفا هذه المرة فكان هناك خشية شديدة من تحركات السلطة وما ستؤول إليه هذه التحركات ، وجدت جميع الرفاق في هذه الخلايا يشتركون في حدس واحد هو أن السلطة الدكتاتورية عازمة هذه المرة على إنهاء وجود حركة الأنصار والبيشمه ركه ومن خلال القضاء على الحياة في ريف كوردستان ولذلك كانوا يعيشون قلقا كبيرا على مستقبلهم ومصيرنا ويتوقعون تصاعدا خطيرا من قبل أجهزة النظام القمعية لملاحقة تنظيمات الحزب وجماهيره في مختلف المناطق بموازاة بدء حملة تطهير كوردستان من الأنصار والبيشمه ركه ، وتصاعدت مطالبة هؤلاء الرفاق بتصميم ودراية تامة على ضرورة الانسحاب إلى خلف الحدود وإنقاذ حياة البيشمه ركه وعوائلهم وحياة جماهير المنطقة التي ستتعرض إلى الهلاك والدمار .ومن الواضح أن إجلاء سكان ريف كوردستان من أرض آباءههم و أجدادهم إلى أرض دولة أخرى ووسط هذه الحشود العسكرية التي عملت على قطع كل الطرق المؤدية إلى داخل الأراضي التركية قضية في غاية التعقيد وبقاءهم متشبثين بأرضهم يعد هو الآخر شبه انتحار جماعي، وخصوصا بعدما تأخر الوقت ولم يعد لصالحنا في مناطق كثيرة كما كان الحال عندنا في بهدينان ..!! ويمكنني الحديث عن هذه المسألة في المحطات التالية بشئ من التفصيل لأن هذا الأمر كان على صلة وثيقة بقرارات وإجراءات غير متأنية اتخذت في خضم الحدث . مكثت هناك في هذه القرى أياما قلقة مرت سريعا و أجبرتني تصاعد ورود أخبار سيئة من جميع المصادر حول الأعداد الهائلة من قوافل الجيش العراقي التي كانت تتوجه إلى كوردستان بكافة أسلحتها قادمة من جبهات القتال مباشرة لتنفيذ هذه الجريمة التي أصبح يدرك خطورتها البالغة كل المواطنين . زرت خلال هذه الأيام أهلي وكانوا يشاركون كل الذين التقيتهم الإحساس بخطورة الوضع وأبدوا قلقا بالغا لمصيرنا المجهول وخصوصا كانت تربطهم علاقات وثيقة بأعداد كبيرة من العوائل الموجودة في الحصار وأبناءهم الأنصار قبل التحاقهم بصفوف البيشمه ركه ، ودعتهم وهم يقولون وكيف سيكون الأمر بالنسبة لك ..؟ فقلت لهم ما كانوا مقتنعين به تماما وهو أما سأتحرر من قبضة عساكر النظام وعندها ستكون وجهتي الخارج ، وأما سأقع في فخ لهم وعندها تكون النتائج معروفة . وهذا ما أحزنهم أشد حزن .- (كه لي مه رانى)* كه لى ( وادي) .. مه رانى قرية تقع ضمن هذا الوادي تركها أهلها قبل سنوات طويلة من تأسيس مقرنا فيها ، سأحاول ضمن هذه المحطات الحديث عن بدايات تأسيس مقرنا في هذه القرية . - (د ه شت الموصل)* سهل الموصل وأستخدمت كلمة الده شت في التعامل اليومي والمخاطبة بشكل طبيعي إلى جانب العديد من الكلمات الكوردية من قبل رفاقنا العرب وكذلك في الكتابة سواء من قبل الكتاب الأنصار أوالمجالات الأخرى.

قضايا ملحة تواجه المجتمع الأيزيدي 3-3


قضايا ملحة تواجه
المجتمع الإيزيدي 3 ـ 3
ناظم ختاري


ثالثا – المطلوب تنمية مناطق الإيزيدية على مختلف الأصعدة .

لا يخفي على أحد ، إن السياسة الشوفينية التي مارستها الحكومات العراقية المتعاقبة منذ نشأت الدولة العراقية ، ادت إلى المزيد من حرمان مناطقنا من الاستفادة من ثروات العراق الهائلة ، وخصوصا في الفترات التي انتعش فيها الاقتصاد العراقي بعد قرار تأميم الثروة النفطية في العراق بداية السبعينيات من القرن الماضي والتي تحولت بالنسبة إلى مجموع الشعوب العراقية إلى نقمة ، فكان نصيب أبناء مناطقنا المزيد من البؤس و الفقر والجوع والحرمان، وأنعدام الخدمات كالماء والكهرباء والمجاري وخدمة الهاتف والخدمات الصحية والطرق ، والعيش في قرى نائية لا تربطها بالمدينة طرق المواصلات الصالحة .

علاوة على عدم وجود خطط تستهدف تنمية هذه المناطق بعكس غيرها العائدة للعرب وبشكل خاص العشائر التي كانت تنتمي إليها أسرة صدام وجلاوزته الذين شاركوه في حكمه المقيت ومارسوا إلى جانبه المزيد من التخريب بحق اقتصاد البلد وسرقة المزيد من أمواله لحساب عوائلهم وملذاتهم الشخصية وبناء أعتى وأشرس أجهزة أمنية لقهر جماهير الشعب وقواها الساسية وعسكرة قواعد حزب البعث الذي لعب أقذر دور في التاريخ السياسي للدولة العراقية علاوة على بناء جيش عرمرم أستخدمه من أجل تحقيق نزواته المريضة، ودفع المزيد من هذه الثروات إلى خارج العراق لتغذية رغباته القومية المتعصبة والمتوحشة وتشكيل أكبر جيش من المرتزقة من أبناء العروبة في محيط العراق وفي كل المستويات من الحكام وإلى أقذر إرهابي، والذين نبتلي بهم اليوم ،

كل هذا أدى إلى تدمير بنية البلد التحتية والذي تواصل من خلال الحروب التي خاضها، الداخلية منها والخارجية .

ومما يجدر الإشارة إليه ، فإن المناطق التي يسكنها أبناء الديانة الإيزيدية عانت أكثر من غيرها في كل العراق جراء هذه السياسات ، لأنها بشكل طبيعي كانت تفتقد إلى الكثير من شروط الحياة اللائقة مثل شحة المياه في أغلب الأحوال وتعرضها إلى الجفاف لأنها في الغالب تقع خارج الخط المطري العاشر علاوة على إن سكان هذه المناطق يعتمدون على الزراعة في شقيه النباتي والحيواني،

وبسبب العلاقات الإجتماعية الاقطاعية والتي كانت سائدة منذ الفترات التاريخية الطويلة ، كان هنالك أعداد كبيرة من أسر هذه المناطق محرومة من أية ملكية وقد كانت تعيش أوضاعا مزرية ، فلولا التحولات الإقتصادية والاجتماعية في عقد السبعينيات واحتواء المجالات الخدمية لأعداد كبيرة من شبيبة هذه الأسر لكان كاهل المجتمع الإيزيدي أثقل بكثير من الآن .

وعلى الرغم من كل هذا لم تقدم كل السلطات العراقية المتعاقبة على الحكم لتغيير هذا الواقع الاقتصادي المرير في هذه المناطق، فكل ما كانت تحصل عليها من خدمات لم تكن تتعدى إلا القليل وفي كل الأحوال لم تكن ترتقي إلى ربع المستوى التي كانت تصل إلى المناطق الأخرى وفي غالبيتها لم تكن تشمل الجانب التنموي لهذه المناطق ، وهنا لابد من الإشارة بأن ما جرى تقديمه من خدمات إلى هذه المناطق في العهد السابق ، إنها اليوم تحتاج إلى الإدامة أو إلى إستحداثها ثانية لأنها لم تعد تصلح كثير ا ، وأسوق بعض الأمثلة السريعة بهذا الخصوص ، فشبكات المياه التي جرى توزيعها في داخل بعض قرى هذه المناطق وإيصالها إلى البيوت ، كانت عبارة عن خراطيم اعتيادية، تحمل كلفتها أهاليها وكانت ضعيفة المقاومة وكان ينبغي تبديلها بين فترة وأخرى ، وهذه العملية بحد ذاتها كانت تشكل عبئا ماليا على عوائل هذه المناطق ، علاوة على شكل التوزيع المتردي جدا من الناحية الهندسية ، ففي أغلب الأحوال لم تكن هذه العوائل تستطيع الحصول على حصتها من المياه القادمة عبر هذه الخراطيم ولهذا كانت تضطر إلى شراء المياه الصالحة للشرب باستمرار،

وما يجدر ملاحظته فإن هذه الشبكات لازالت على عهدها القديم ، وهكذا بالنسبة إلى المدارس التي جرى تشييدها حيث أصبح كل شيئ فيها قديما لايصلح للوضع الحالي علاوة على عدم احتواءها للكثير من المرافق التي يتطلبها التعليم الحالي في المدارس .

ولاشك ان وضع شبكات الكهرباء في هذه المناطق يرثى لها فبالإضافة إلى عدم وجود الكهرباء إلا لساعات قليلة فإن شبكاتها تعاني المزيد من الخراب وكثيرا ما تشكل مخاطر جدية على حياة العوائل بسبب الفوضى التي تعانيها في عملية الربط وإيصالها إلى البيوت وعدم وجود أي من عوامل الصيانة .

أما خارج هذه الخدمات فلم يصل إلى هذه المناطق أي شيئ آخر، وربما لم يسمع الكثير من المواطنين بمئات الخدمات الضرورية التي يحتاجها الإنسان ويستخدمها في الوقت الحاضر، وهنا أنا لا أنتقص من أهلنا ، بل اود أن أبين للقارئ الغير إيزيدي مدى الغبن الذي يعانيه المواطن الإيزيدي . فحتى طرق المواصلات المبلطة تنعدم في الغالبية العظمى من قرى هذه المنطقة، وما موجود منها أصبح بمرور الزمن غير صالح للاستخدام الأمثل . بشكل عام الخدمات التي قدمت للمنطقة سابقا تدهورت الآن كثير اوهي تحتاج إلى إعادتها من جديد.

و كل هذا قائم بالرغم من مرور أكثر من 13 سنة على رحيل إدارات وعسكر النظام المقبور من كوردستان ومرور سنتين على سقوطه نهائيا . وما يجري تقديمه من خدمات إلى هذه المناطق يتعثر أما بعدم حسم الوضع الإداري لهذه المناطق بين أن تبقى تابعة لإدارة الدولة المركزية أو يجري ربطها بإدارة أقليم كوردستان أو بعدم وجود إدارة موحدة في الأقليم وعلى أي من الحكومتين الكورديتين أن تقدم الخدمات لهذه المناطق . في كلا الحالتين أعتبر هذا الإهمال هو متعمد وفي نفس الوقت تنصل من المسؤولية أزاء هولاء الناس الذين يعانون مرارات نقص الخدمات ومصاعب الحياة ورداءة العيش والتهديدات الإرهابية بالقتل إن خرجوا من مناطقهم بحثا عن العمل ،

فالبطالة تشمل أعداد كبيرة منهم والمنطقة تفتقد إلى أية مشاريع تنموية، والخدمات القليلة التي تقدم لهم فهي ليست أساسية وفي نفس الوقت ليست مبرمجة وفق خطة مدروسة من قبل إحدى الحكومات الثلاث، وإنما تقدم على أساس التنافس بين الحزبين الكورديين من أجل كسب النفوذ ليس إلا ، والأمثلة بهذا الخصوص كثيرة لست بصددها الآن ، أما الحكومة المركزية فليس لها شأن ولاعلاقة بمناطقنا .

إن منطقتنا أيها السيدات والسادة تحتاج إلى البناء من أولها وإلى آخرها، فدعوا التنافس في مكان أومجال آخر، وإن وضعنا لا يتحمل ذلك لاننا بحاجة إلى أن نشبع وأن نعمل وأن نرجع قرانا المغتصبة وأن نبني و ننمي مناطقنا ونترفه بخيرات بلادنا فمن ينجز لنا كل هذا سيحصل دون أدنى شك على أصواتنا ، وأرى الأعتماد على الجوانب التالية باعتبارها برنامجا كفيلا لتنمية هذه المناطق على أن تتبناه الدولة وليس الأحزاب ، وأحصرها في النقاط التالية .

1- ضرورة القضاء على حالة العوزالمادي والفقرالإجتماعي الذين يعانيهما أبناء هذه المناطق وذلك من خلال تبني برنامج شامل لتعويض جميع العوائل من كل جوانب الحرمان التي فرضتها الحكومات السابقة ، علاوة على ضرورة تبني برنامجا للرعاية الإجتماعية الذي يوفر حدا معقولا من مستوى معيشي لائق للمواطنين باعتبار ذلك حقا من حقوق الغير قادرين على العمل وتعويضا دائما للعاطلين عن العمل و الذين لايجدون فرص العمل في مؤسسات ومرافق الدولة وعوائلهم، أو الذين لاتوفر الحكومة فرص العمل لهم .

والمادة الخامسة عشرة من قانون الدولة للمرحلة الانتقالية تؤكد على (للفرد الحق بالأمن والتعليم والعناية الصحية والضمان الإجتماعي ، وعلى الدولة العراقية ووحداتها الحكومية وبضمنها الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية ، بحدود مواردها ومع الأخد بالاعتبار الحاجات الحيوية الأخرى أن تسعى لتوفير الرفاه وفرص العمل للشعب .) هنا أعتقد إن أهم حاجة هي ما تذهب لخدمة الإنسان باعتباره أثمن رأسمال.

2- القضاء على البطالة المستشرية بين كافة أبناء هذه الديانة ، وذلك من خلال إقامة.

- مشاريع زراعية- اروائية ، وفي هذا المجال هنالك أكبر مشاريع للرئ يمكن تنفيذها وهي المشاريع المرتبطة بسد أسكي موصل والتي من شأنها أن تحدث ثورة من الإزدهار على مستوى مناطقنا فإلى جانب تحقيقها لمجالات تنموية مهمة على مستوى العراق ومناطقنا ، فإنها توفر المزيد من فرص العمل لأبناء هذه المنطقة وغيرها من المناطق.

- تشغيل الأيدي العاملة من أبناء هذه المناطق في معمل أسمنت سنجار والذي يعد ثاني أكبر معمل في مجال اختصاصه على مستوى الشرق الأوسط .

- المناطق التي يسكنها الإيزيدية تتحمل إقامة المزيد من المشاريع مثل إنشاء مقالع للحجر، فقرية كندالا التابعة لقضاء سنجار تتميز بأجود أنواع الحجرالمستخدم للبناء إلى جانب وجود مناطق أخرى مثل الجبال المطلة على القرى الممتدة بين الشيخان وألقوش وكذلك منطقة جبل مقلوب،ومناطق سكنى القائيدية التابعة إلى دهوك ويمكن أن تلعب هذه المناطق دورا تجاريا مهما بإقامة مشاريع ومناطق تجارية ناجحة بحكم موقعها المتميز ، وتنجح في هذه المناطق الكثير من المشاريع الصناعية الزراعية. ولاشك أن تحقيق كل هذا سيدفع المواطن بالتمسك والبقاء في هذه مناطق آباءه وأجداده دون الإضطرار للبحث عن العمل في مناطق أخرى والهجرة إلى بلاد الغربة وهو يتعرض خلالها إلى ظروف غير طبيعية في شتى المجالات .

3- وهذه المناطق تحتاج إلى تنفيذ المزيد من مؤسسات تعليمية و تربوية وتثقيفية على الأسس الحديثة التي تواكب التطور الحاصل في مجالات التربية والتعليم والتثقيف ، ابتداءا من بناء رياض الأطفال وانتهاءا بمعاهد تختص بجميع الجوانب ، علاوة على مراكز للشبيبة تنمي قدراتهم ومواهبهم وما إلى ذلك ، و تحقيق مثل هذا الأمور سيكون سبيلا لتربية إنسان سليم وإزالة آثار الماضي المثقلة بالتشوهات من هذه العملية .
4 - تحتاج هذه المناطق إلى البناء وإعادة الإعمار على مختلف الأصعدة ، فالعائلة فيها تحتاج إلى سكن يليق بالإنسان فالغالبية العظمى من الناس تعيش في أما بيوت من الطين تفتقر إلى أبسط مستلزات الحماية من الكوارث أو في بيوت تفتقر لكل شروط الحياة المتحضرة ، وثم تحتاج هذه المناطق إلى المياه الصالحة والغير الصالحة للشرب ، وتحتاج إلى شبكة كهرباء تضئ ظلمتها وتقيها من مخاطر رداءتها ، تحتاج إلى التعرف على كيفية التحدث عبر الهاتف المنزلي، وتحتاج إلى شوارع تقلل من إستهلاك السيارات وتعطلاتها وتسهل وصولهم إلى المناطق المحيطة بهم، وتحتاج إلى العلاج القريب من المواطنين من مراكزصحية ومستشفيات وتوفير الكادر الطبي وغير ذلك من مستلزمات العلاج .
5 – دور العبادة الإيزيدية تحتاج إلى الترميم والخدمات واعتبارها مناطق أثرية وتشجيع السياحة إليها وتوفير الحماية لها من قبل الدولة .